الخطيب الشربيني

299

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ضربة بالسيف ، أو طعنة برمح أو رمية بسهم فوجدناه قد قتل ، وقد مثل به المشركون فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه . قال أنس : كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه » « 1 » . وَمِنْهُمْ أي : الصادقين مَنْ يَنْتَظِرُ أي : السعادة كعثمان وطلحة وَما بَدَّلُوا أي : العهد ولا غيروه تَبْدِيلًا أي : شيئا من التبديل . روي أن ممن لم يقتل في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم طلحة بن عبيد الله أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ثبت مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يوم أحد ، وفعل ما لم يفعله غيره لزم النبي صلّى اللّه عليه وسلم فلم يفارقه وذبّ عنه ووقاه بيده حتى شلت إصبعه قال إسماعيل بن قيس : رأيت يد طلحة شلاء وقى بها النبي صلّى اللّه عليه وسلم يوم أحد ، وعن معاوية سمعت النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « طلحة ممن قضى نحبه » « 2 » ، وعن طلحة لما رجع النبي صلّى اللّه عليه وسلم من أحد صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قرأ : رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ الآية كلها فقام إليه رجل فقال : يا رسول الله من هؤلاء فقال : « أيها السائل هذا منهم » « 3 » ، وعنه أيضا : أن أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل : سله عمن قضى نحبه من هو ؟ كانوا لا يجترؤن على مسألته يهابونه ويوقرونه ، فسأله الأعرابي فأعرض عنه ، ثم سأله فأعرض عنه ، ثم سأله فأعرض عنه ، ثم إنه طلع من باب المسجد فقال : أين السائل عمن قضى نحبه ؟ قال الأعرابي : أنا فقال : « هذا ممن قضى نحبه » « 4 » ، وهذا يقوي القول بأن المراد بالنحب بذل الجهد في الوفاء بالعهد ، وعن خباب بن الأرت قال : هاجرنا مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم في سبيل الله نبتغي وجه الله فوجب أجرنا على الله ، فمنا من مضى لم يأكل من أجره شيئا ، منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد فلم يوجد له شيء يكفن فيه إلا نمرة ، فكنا إذا وضعناها على رأسه خرجت رجلاه منها ، وإذا وضعناها على رجليه خرج رأسه منها فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « ضعوها مما يلي رأسه واجعلوا على رجليه من الأذخر » « 5 » قال : ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها أينعت أي : أدركت ونضجت له ثمرتها ويهديها أي : يجنيها ، وهذا كناية عما فتح الله تعالى لهم من الدنيا وعن زيد بن ثابت قال : « لما نسخنا المصحف من المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت أسمع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم يقرؤها لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري الذي جعل رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين من المؤمنين رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فألحقتها في سورتها في المصحف » « 6 » . لِيَجْزِيَ اللَّهُ أي : الذي يريد إظهار جميع صفاته يوم البعث للخاص والعام ظهورا تاما الصَّادِقِينَ أي : في الوفاء بالعهد وادعاء أنهم آمنوا به بِصِدْقِهِمْ أي : فيعلي أمرهم وينعمهم

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الإمارة حديث 1903 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3200 . ( 2 ) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن حديث 3202 ، وابن ماجة في المقدمة حديث 127 . ( 3 ) أخرجه الطبري في تفسيره 21 / 94 ، وابن كثير في تفسيره 6 / 394 ، وأبو نعيم في حلية الأولياء 10 / 397 ، والطبراني في المعجم الكبير 1 / 76 . ( 4 ) أخرجه الترمذي حديث 2303 ، 3203 ، 3742 ، وابن ماجة حديث 126 . ( 5 ) أخرجه البخاري في الجنائز حديث 1276 ، ومسلم في الجنائز حديث 940 ، والترمذي في المناقب حديث 3853 . ( 6 ) أخرجه البخاري في المغازي حديث 4049 ، والترمذي في تفسير القرآن حديث 3104 .